كتب: يوسف مدحت – أحمد حسين
مراجعة وتدقيق: إسلام رضوان
ماذا يمكن أن يحدث إذا ما قررت الحياة، في لحظة مباغتة، أن تعكس أدوارها؟
أن يجد الجلاد نفسه فجأة في موضع الضحية، محاصرًا بين أيدي أولئك الذين أذاقهم الألم يومًا؟
هل يملك — في تلك اللحظة — الحق في أن يطلب الرحمة؟
وهل تستطيع الضحية، وقد أُتيحت لها هذه الفرصة، أن تتسامى فوق جراحها، أم أنها تستجيب لنداء أكثر عمقًا وغريزية: نداء الانتقام؟
من هذه الأسئلة القلقة، التي تتجاوز حدود السينما إلى جوهر الإنسان ذاته، ينطلق فيلم المخرج الإيراني
جعفر بناهي It Was Just an Accident، ليقدّم عملًا لا يمكن اختزاله في كونه فيلمًا سياسيًا أو دراما
تشويقية، بل تجربة تأملية كثيفة تغوص في إشكاليات العدالة، وتفكك العلاقة المعقدة بين الألم والذاكرة، وبين
الحق والانتقام.
يبدأ الفيلم بحادث بسيط، يكاد يبدو عابرًا، كأنه مجرد تفصيلة يومية لا تستحق الالتفات. غير أن هذا الحدث
سرعان ما يتحول إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الأسئلة الثقيلة التي تتشابك فيها الأخلاق بالوجدان، ويتورط
فيها المُشاهد نفسه:
هل يمكن للإنسان — حين يُسحق تحت وطأة القهر — أن يحتفظ بإنسانيته؟
وهل الانتقام فعل تحرر، أم أنه قيد جديد يعيد تشكيل الألم في صورة أخرى؟
لا يسلك بناهي الطريق المعتاد في سرد حكايات الانتقام. فهو لا يمنح المُشاهد يقينًا مريحًا، ولا يقدّم خصمًا
واضحًا يمكن تحديده بسهولة. على العكس، يزرع الشك داخل بنية الفيلم نفسها:
هل هذا الرجل هو الجلاد فعلًا؟
أم أن الذاكرة المثقلة بالخوف شوّهت ملامحه؟
هل نحن أمام حقيقة أم أمام وهم جماعي صنعته الصدمة؟
هذا التردد الوجودي يحوّل الفيلم من مجرد قصة مطاردة إلى مساحة فلسفية مشحونة بالقلق، حيث تتزعزع
الحدود بين الحقيقة والخيال، بين العدل والانتقام، بين ما حدث فعلاً وما تريده الذاكرة أن يكون قد حدث.
يتحول هذا الحادث البسيط إلى رمز بالغ الكثافة؛ فكل ما يبدو عشوائيًا في الظاهر يكشف، مع تقدم الأحداث،
عن طبقات من العنف المكبوت، وعن مجتمع يمتلئ بشروخ عميقة غير مرئية، حيث يمكن لأي لحظة
عابرة أن تستدعي تاريخًا طويلًا من القهر.
على المستوى الفني، يعتمد بناهي أسلوبًا واقعيًا يلامس الوثائقي أحيانًا، لكنه مشبع بتوتر نفسي لا يهدأ.
الأماكن ضيقة، السيارات مزدحمة، الطرق خانقة، وكأن الشخصيات تتحرك داخل فضاء يغلق عليها
تدريجيًا. لا شيء مفتوح بالكامل، لا الطرق ولا المصائر، وكأن الماضي يفرض نفسه كجدار لا يمكن
تجاوزه.
وفي قلب هذه القتامة، تتسلل لمحات من الكوميديا السوداء، لا بوصفها تخفيفًا للحدة، بل كأداة تعرية تكشف
عن مدى معاناة الإنسان في تصور مفهوم العدالة ؛ فالسخرية هنا تبدو كأنها جزء من مأساة الإنسان نفسه،
الذي يحاول، عبثًا، أن يمنح العالم منطقًا أخلاقيًا لا يطاوعه دائمًا.
لهذا، رأى كثير من النقاد أن الفيلم من أكثر أعمال بناهي وضوحًا على المستوى السياسي، لكنه في الوقت
نفسه من أكثرها تعقيدًا إنسانيًا. فهو لا يقع في فخ الخطاب المباشر، ولا يُقدّم شعارات، بل يظل منحازًا إلى
الإنسان، إلى هشاشته وتردده وضعفه.
في جوهره، يمكن قراءة الفيلم بوصفه تأملًا في فكرة “الجرح الذي لا يلتئم”. فالماضي لا يمضي حقًا، بل
يظل حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، متخفيًا تحت السطح، مستعدًا للظهور في أي لحظة.
وهنا تكمن قوة الفيلم الحقيقية: أنه لا يمنح إجابات حاسمة، بل يتركنا داخل منطقة رمادية، حيث تتجاور
الاحتمالات، ويتعذر إصدار الأحكام.
هل الصفح شكل من أشكال الضعف أم القوة؟
هل الانتقام استعادة للكرامة أم سقوط في فخ العنف ذاته؟
وهل العدالة ممكنة أصلاً، أم أنها فكرة مثالية تتكسر دائمًا أمام واقع البشر؟
شخصيات بناهي ليست بطولية بالمعنى التقليدي، ولا هي شريرة على نحو خالص. إنها شخصيات مأزومة،
تحمل داخلها بقايا إنسانيتها وندوبها في آن واحد، وتحاول — وسط التشوش — أن تجد معنى للعدالة، حتى
وإن لم تعد واثقة من ماهيتها.
ومن هذه النقطة، يفتح الفيلم أفقًا أوسع للتأمل، حين يمكن قراءته جنبًا إلى جنب مع مسرحية “العادلون”
لألبير كامو (1949)، حيث يعود السؤال ذاته في سياق مختلف:
كيف يمكن تحقيق العدالة دون أن نفقد إنسانيتنا؟
في عالم كامو، كما في عالم بناهي، لا تقف العدالة في موقع واضح ومطمئن، بل تتأرجح بين رؤيتين
متصارعتين:
رؤية ستيبان، الذي تحكمه الكراهية ويرى في الانتقام ضرورة، بل وقودًا أساسيًا لأي فعل ثوري؛
ورؤية كالييف ودورا، اللذين يتمسكان بفكرة أن العدالة لا يمكن أن تنفصل عن الحب، وأن الدفاع عنها لا
ينبغي أن يتحول إلى تبرير للعنف المطلق.
ستيپان لا يرى في العالم سوى امتدادٍ للظلم، لذا لا يجد في نفسه ما يكفي للحب. بالنسبة له، العدالة لا تتحقق
إلا بالقوة، مهما كانت تكلفتها.
أما كالييف، فيتمسك بفكرة أكثر هشاشة — لكنها أكثر إنسانية — وهي أن العدالة التي تُبنى على نفي
الإنسان تفقد معناها، وأن التضحية لا تصبح نبيلة إلا إذا كانت واعية بثمنها الأخلاقي.
هنا يطرح السؤال في صورته الأكثر قسوة:
أيُهما أولى— العدالة أم الحياة؟
عند ستيبان، تتجرد العدالة من كل بعد إنساني، لتتحول إلى مبدأ جامد، أقرب إلى صنم يُعبد، حتى ولو
اقتضى ذلك سحق الإنسان ذاته.
أما عند كالييف، فهي قيمة لا تكتمل إلا بالحفاظ على كرامة الإنسان، حتى في لحظة المواجهة.
وفي هذا التوتر، يكشف كامو — كما يفعل بناهي بطريقته — عن خطر خفي:
أن تتحول العدالة نفسها إلى شكل آخر من أشكال الطغيان، حين تنفصل عن الرحمة.
ما بين عالم الفيلم وعالم المسرحية، يمتد خيط واحد:
أن الألم، حين لا يجد طريقًا إلى الفهم، يتحول بسهولة إلى عنف.
وأن الكراهية، مهما بدت مبررة، تحمل في داخلها بذور تكرار المأساة.
ومع ذلك، يظل ثمة أمل — هش، ربما، لكنه قائم — يتمثل في تلك اللحظة التي يتساءل فيها الإنسان: هل
يمكن أن يكون الحب فعلًا مشتركًا، لا مجرد حلم فردي؟
هل يمكن أن تصبح العدالة امتدادًا للرحمة، لا نقيضًا لها؟
ذلك هو السؤال الذي لا يُقدّم لنا بناهي ولا كامو إجابة نهائية عليه، لكنه يظل معلقًا، يطارد وعينا، ويدفعنا
إلى إعادة التفكير في أبسط المسلّمات:
ما معنى أن نكون عادلين؟
وما الثمن الذي يجب أن ندفعه كي لا نفقد إنسانيتنا ونحن نسعى لتحقيق العدالة؟

يُمكنكم قراءة مسرحية(العادلون) إلكترونيًا من علي تطبيق (أبجد)، أو ورقيًا من إصدار (دار نينوي) للنشر.
فيلم It was just an accident يمكن مُشاهدته عبر منصات:
Just watch – Disney+ – Apple t.v.


لا تعليق