الكاتبة: رضوى أحمد
هناك لحظة يكتشف فيها الإنسان أن ما يخشاه ليس الألم نفسه، بل الفراغ الذي يتركه الألم حين يفقد معناه. في تلك اللحظة تحديدًا يصبح السؤال الحقيقي: لماذا أعيش؟ وليس كيف أعيش؟ وربما لهذا السبب ظل كتاب «الإنسان يبحث عن المعنى» للطبيب النفسي فيكتور فرانكل حاضرًا في الوعي الإنساني لعقود طويلة؛ لأنه لا يقدم حكاية عن معسكرات الاعتقال النازية فحسب، بل يضع القارئ أمام أكثر الأسئلة إلحاحًا: ماذا يبقى من الإنسان عندما يُسلب كل شيء؟
كتب فرانكل تجربته لا بوصفه شاهدًا على المأساة فقط، بل بوصفه إنسانًا حاول أن يفهم ما الذي يجعل بعض الأرواح تنكسر سريعًا، بينما يظل بعضها الآخر متشبثًا بالحياة رغم الجوع والإذلال والموت الذي كان يمر بينهم كل يوم كأنه تفصيل اعتيادي. ومنذ الصفحات الأولى يرفض أن يصنع بطولة استثنائية لنفسه أو لغيره؛ فالسجناء الذين يتحدث عنهم لم يكونوا أبطالًا أسطوريين، بل أناسًا عاديين، يشبهون أي واحد منا، وجدوا أنفسهم فجأة في عالم صار فيه الحصول على رغيف خبز أو دقيقة راحة انتصارًا صغيرًا على العدم.
كانت معسكرات الاعتقال مكانًا يتآكل فيه الإحساس بالزمن، ويتحول فيه الخوف إلى رفيق دائم. لم يكن السجين يعرف إن كان سيبقى حيًا في اليوم التالي، وكانت عمليات اختيار غير القادرين على العمل تعني في كثير من الأحيان نهاية الطريق. غير أن فرانكل يلفت النظر إلى أن قسوة التجربة لا يمكن إدراكها من خلال الأرقام والوثائق وحدها؛ فالتاريخ يسجل ما حدث، أما الإنسان الذي عاش الحدث فهو وحده من يعرف كيف كان يُحسّ به من الداخل. ولهذا جاءت شهادته مشبعة بتلك التفاصيل النفسية التي لا تستطيع التقارير الرسمية التقاطها.
يصف فرانكل المراحل التي مرت بها نفوس السجناء: صدمة أولى عند الوصول، ثم محاولة يائسة للتشبث بوهم النجاة، ثم تبلد نفسي تدريجي. وهذه البلادة ليست انعدامًا للمشاعر كما قد يبدو، بل درعًا خفيًا ترتديه الروح كي لا تتحطم بالكامل. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا وهو يستجيب لكل مشهد عنف وكأنه يراه للمرة الأولى؛ لذلك تتعلم النفس، في أقسى الظروف، كيف تقلل حساسيتها حتى تستمر.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير الدهشة في الكتاب ليس وصف القسوة، بل وصف ما بقي حيًا رغمها. ففي قلب الجوع والخوف ظل الحب قادرًا على أن يمنح صاحبه لحظة دفء، وظلت الذكريات تفتح نافذة على عالم لم تلوثه الأسلاك الشائكة. كان السجين يستعيد وجه من يحب، أو يتأمل غروب الشمس للحظات، أو يشارك في صلاة بسيطة، فيشعر أن إنسانيته لم تُهزم تمامًا. حتى الضحك، ذلك الشيء الهش والعابر، تحوّل عند فرانكل إلى مقاومة صامتة؛ مقاومة تقول إن الروح تستطيع أن ترتفع فوق الألم ولو لثوانٍ قليلة.
ومن هنا يصل الكاتب إلى فكرته الأكثر عمقًا: الإنسان ليس مجرد نتاج لظروفه. نعم، الظروف تضغط وتشوه وتؤثر، لكنها لا تلغي الحرية الداخلية بالكامل. فقد رأى فرانكل بعينيه من احتفظوا بكرامتهم وأخلاقهم في أحلك اللحظات، ورأى آخرين استسلموا للقسوة حتى صاروا نسخة منها. لذلك فإن السؤال ليس فقط: ماذا فعلت بنا الحياة؟ بل أيضًا: ماذا اخترنا أن نفعل نحن بما فعلته بنا الحياة؟
هذا الاختيار يرتبط عند فرانكل بفكرة المعنى. فحين يفقد الإنسان هدفه يصبح أكثر هشاشة أمام الألم، أما حين يملك سببًا يعيش من أجله فإن قدرته على الاحتمال تتضاعف. لذلك كان السجناء يتعلقون بصورة مستقبلية تمنحهم أملًا بالاستمرار: لقاء الأحبة، إنهاء عمل لم يكتمل، أو الوفاء لرسالة يؤمنون بها. لم يكن المستقبل رفاهية خيالية، بل ضرورة للبقاء.
وفي القسم الثاني من الكتاب ينتقل فرانكل من الشهادة إلى النظرية، فيعرض أسس العلاج بالمعنى، ذلك الاتجاه النفسي الذي يرى أن الدافع الأعمق للإنسان ليس البحث عن اللذة كما قال فرويد، ولا السعي إلى القوة كما رأى أدلر، بل البحث عن معنى لحياته. والمعنى هنا ليس وهمًا يصنعه الإنسان كيف يشاء، بل حقيقة يكتشفها من خلال مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
ويشير إلى ثلاث طرق رئيسية لاكتشاف هذا المعنى: عبر العمل والإنجاز، وعبر اختبار الحب والجمال والقيم الإنسانية، وعبر الطريقة التي نواجه بها المعاناة حين تصبح أمرًا لا يمكن تغييره. وهنا تتحول المعاناة من عبء خالص إلى إمكانية أخلاقية؛ فالألم لا يصبح خيرًا في ذاته، لكنه قد يكشف عن الشجاعة والصبر والقدرة على تحويل الانكسار إلى وعي أعمق بالحياة.
كما يناقش فرانكل ما يسميه الفراغ الوجودي، ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان ينجز كثيرًا لكنه لا يشعر بأن حياته ذات قيمة. ويرى أن هذا الفراغ أحد أكثر أمراض العصر انتشارًا؛ فالإنسان الحديث يملك وسائل أكثر للراحة، لكنه كثيرًا ما يفتقد السبب الذي يمنحه الإحساس بأنه يعيش من أجل شيء يتجاوز الاستهلاك والنجاح العابر.
ومن الأفكار اللافتة أيضًا تقنية القصد العكسي، التي تقوم على مواجهة الخوف بدلًا من الهروب منه، واستخدام روح الدعابة لتخفيف سلطته على النفس. فالكثير من المخاوف، كما يرى فرانكل، تتغذى على خوفنا منها، وحين يتغير موقف الإنسان تجاه خوفه تبدأ قبضته في الارتخاء.
لكن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في نظرياته النفسية وحدها، بل في تلك النبرة الإنسانية التي تسري بين سطوره. ففرانكل لا يعد القارئ بحياة خالية من الألم، ولا يبيع له وهم السيطرة الكاملة على المصير. إنه يقول ببساطة إن الحرية الأعمق للإنسان لا تتمثل في التحكم بكل ما يحدث له، بل في قدرته على اختيار موقفه مما يحدث.
وهكذا يعود بنا الكتاب إلى عنوان هذا المقال: بين الحقيقة والوهم. فالوهم الذي يطارد كثيرين هو أن السعادة تعني غياب المعاناة، وأن الحياة العادلة هي الحياة الخالية من الخسارات. أما الحقيقة التي يخرج بها فرانكل من قلب الجحيم فهي أن الألم جزء من التجربة الإنسانية، لكن الإنسان يظل قادرًا على أن يمنحه معنى، وأن يحول حتى أكثر لحظاته قسوة إلى خطوة نحو نضج أعمق ووعي أشمل.
ربما لهذا السبب لا ينتهي الكتاب عند الصفحة الأخيرة. إنه يترك القارئ أمام مرآة هادئة، يسأله فيها سؤالًا لا يمكن الهروب منه طويلًا: إذا كانت الحياة ستختبرك يومًا بما لا تستطيع تغييره، فما المعنى الذي ستختاره كي تبقى إنسانًا؟

للمزيد – المصدر:
https://dn760102.eu.archive.org/0/items/142humansearchesformeaning/142humansearchesformeaning.pdf


لا تعليق